أبي منصور الماتريدي
457
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 78 إلى 84 ] وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ ( 78 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ( 79 ) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ( 80 ) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 81 ) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ( 82 ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ( 83 ) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 84 ) وقوله - عزّ وجل - : وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ . أي : وقد كان أصحاب الأيكة لظالمين . والأيكة : ذكر أنها الغيضة من الشجر ؛ وهي ذات آجام وشجر ، كانوا فيها فبعث إليهم شعيب وهم في الغيضة . وذكر [ بعض ] « 1 » أهل التأويل « 2 » : أن شعيبا بعث إلى قومين : إلى أهل غيضة مرة ، وإلى أهل مدين مرة ؛ على ما ذكر : وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً [ العنكبوت : 36 ] وقال في آية [ أخرى ] « 3 » : كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ لا تَتَّقُونَ [ الشعراء : 176 ، 177 ] . وقوله : وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ سمى الله تعالى الكفرة بأسماء مختلفة : سماهم مرة ظالمين ، ومرة [ فاسقين ، ومرة مشركين ] « 4 » ، واسم الظلم قد يقع فيما دون الكفر والشرك ، وكذلك اسم الفسق يقع فيما دون الكفر والشرك ، ثم الكفر لم يقبح لاسم الكفر ، وكذلك الإيمان لم يحسن لاسم الإيمان ؛ إذ ما من مؤمن إلا وهو يكفر بأشياء ويؤمن بأشياء ؛ قال الله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ [ البقرة : 256 ] المؤمن يكفر بالطاغوت وبالأصنام ؛ التي كان « 5 » أهل الكفر عبدوها ، وكذلك الكافر يؤمن بأشياء ويكفر بأشياء : يؤمن بالأصنام ويكفر بالله ؛ فثبت أن الكفر لاسم الكفر - ليس بقبيح ، وكذلك الإيمان لاسم الإيمان - ليس بحسن ، ولكن إنما حسن ؛ لأنه إيمان بالله ، والكفر إنما قبح ؛ لأنه كفر بالله . وأما الظلم : فهو لاسم الظلم قبيح ، وكذلك الفسق لاسم الفسق قبيح ؛ فسماهم بأسماء هي لاسمها قبيحة « 6 » ، لكن الإيمان المطلق هو الإيمان بالله ، والكفر المطلق هو
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 2164 ) وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 4 / 193 ) . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : فاسقين وكافرين ومشركين . ( 5 ) في ب : كانوا . ( 6 ) في أ : قبيح .